الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

369

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

زواياه من ظلم وفسق وجور ، ويحدثنا عن ألف حادثة وحادثة . إن هذه الخرائب كتب ناطقة تتحدث عن ماضي هؤلاء الأقوام ، ونتائج أعمالهم وسلوكهم في الحياة ، وعن أعمالهم المشؤومة ، وأخيرا عن العقاب الذي صبه الله عليهم ! إن آثار قصور الجبابرة تبعث في روح الإنسان التفكر والاتعاظ ، حيث يعوضنا أحيانا عن مطالعة كتاب ضخم ، ومع أن أصل التاريخ يعيد نفسه ، فان هذه الآثار تجسد للإنسان مستقبله أمام عينيه . أجل ، إن دراسة آثار القدماء تجعل آذاننا صاغية وأنظارنا ثاقبة . ولهذا السبب يحث القرآن المجيد - في كثير من آياته - المؤمنين على السياحة ، سياحة إلهية أخلاقية فيها عبرة لأنفسنا وعظة نحصلها من دراسة إيوان المدائن وقصور الفراعنة . فمرة نمر عبر دجلة إلى المدائن ، وقد نسكب الدمع بغزارة دجلة على أرض المدائن ، لنسمع نصائح جديدة من شقوق خرائب القصور التي كان عمارها الملوك الجبابرة ، ولنأخذ منها الدروس والعبر ( 1 ) . ولإيضاح حقيقة هذا الكلام بشكل أفضل قال القرآن المجيد : فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . إن الذين يفقدون بصرهم لا يفقدون بصيرتهم ، بل تراهم أحيانا أكثر وعيا من الآخرين . أما العمي فهم الذين تعمى قلوبهم ، فلا يدركون الحقيقة أبدا ! لهذا يقول الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " شر العمى ، عمى القلب ! وأعمى العمى عمى القلب " ( 2 ) . ونطالع حديثا للرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كتاب غوالي اللآلي " إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عين قلبه فيشاهد بها ما كان غائبا عنه " ( 3 ) .

--> 1 - شرحنا في تفسير الآية ( 137 ) من سورة آل عمران بإسهاب دراسة تاريخ القدماء عن طريق السياحة والسير في الأرض . 2 - نور الثقلين ، المجلد الثالث ، ص 508 . 3 - المصدر السابق ، ص 509 .